في قرية صغيرة تحيط بها الجبال الشاهقة، عاش صياد عجوز يُدعى سالم. كان سالم معروفًا بحكمته وقوته، لكنه كان أيضًا معروفًا بِشِدَّة بَخلِه. كان يملك قاربًا صغيرًا يُصلحه بنفسه، ويُحافظ عليه بعناية فائقة، لكنّه كان يبخل حتى على طعامه، يأكل القليل جداً ويرمي الباقي للطيور.
ذات يوم، بينما كان سالم يُصلّح قاربَه، اقترب منه صياد شاب يُدعى فارس. كان فارس متفائلاً ومرحًا، ويمتلك قاربًا كبيرًا ومزخرفًا، لكنه كان مُستهتِرًا بعض الشيء في تعامله مع ممتلكاته.
سأله فارس : "يا شيخ سالم، لماذا أنت بهذه البخل الشديد؟ لقد رأيتك ترمي الكثير من الطعام! لديّ طعام وفير ولن أحتاجه كله، لماذا لا تشاركني؟"
ابتسم سالم ابتسامة باهتة وقال: "يا بني، البخل ليس سوء أخلاق كما تعتقد. أنا أُحافظ على ما أملك لأنّ الحياة قاسية، والبحر غدار. أنا لا أُبذّر شيئًا، لأنّ كل شيء قد أحتاجه يوماً ما. قاربي الصغير هذا مثلاً، هو كل ما أملك، وأُحافظ عليه لأنه مصدر رزقي الوحيد."
فارس ضحك قائلاً: "لكنك تعيش حياة قاسية! أنت تحرم نفسك من المتع البسيطة، وتُعاني من أجل القليل. الحياة قصيرة، يجب أن نستمتع بها!"
أجاب سالم: "يا بني، الحياة قصيرة بالفعل، لكنّها أيضًا طويلة بما فيه الكفاية لتُظهِر لك حقيقة أنّ الوفرة الحقيقية ليست في الثروة، بل في الحكمة في استخدام ما لديك. قاربك الكبير والجميل قد يُغرقك يوماً ما، لأنك لا تُقدر قيمته الحقيقية وتُستهتر به. أما أنا، فلن يغرقني قاربى الصغير، لأنّي أعرفه جيداً وأحافظ عليه كعينيّ."
بعد أيام، ضربت عاصفة شديدة القرية، وأغرقت العديد من القوارب الكبيرة، بما في ذلك قارب فارس. نجا فارس بصعوبة، ولم يبقَ له شيء. ذهب إلى سالم طلباً للمساعدة، فرحّب به سالم، وأعطاه طعاماً من مخزونه القليل، وعَلَّمه كيف يُصلح قاربًا صغيرًا.
الحكمة:
ليست الثروة المادية هي الضامن لسعادة الإنسان وراحته، بل الحكمة في إدارة حياته وممتلكاته والتوازن بين الادخار والإنفاق هي الضامن الحقيقي. فالبخل المفرط خطيئة، وكذلك الإسراف المُفرط. المُعقول هو الوسط.
التعليقات
اضافة تعليق جديد
| الإسم |
|
| البريد ( غير الزامي ) |
|
|
|
|
|
|
| لم يتم العثور على تعليقات بعد |