كان المنزلُ مُظلِمًا، رغم أن الشمسَ كانت لا تزالُ تُشرقُ من النافذة. لم يكن الظلامُ نتيجةً لغروبٍ مبكر، بل كان ظلامًا يُشبهُ الظلامَ الذي يقعُ على القلبِ قبلَ لحظةِ الموت. سكنَتُ هذا المنزلَ المُتهالكَ مع زوجتي، آمال، بحثًا عن حياةٍ هادئةٍ بعيدًا عن ضجيج المدينة. لكنَّ الهدوءَ هنا كان مُخيفًا.
في الليالي الأولى، سمعنا همسًا خافتًا، كأنهُ أنينُ طفلٍ بعيد. اعتقدنا أنَّهُ من رياحِ الشتاءِ القارسة التي تُثيرُ زعيقَ النوافذِ القديمة. لكنَّ الهمسَ استمرَّ، يزدادُ قوةً ليلًا بعد ليل.
ثمَّ بدأتِ الأحلامُ المُزعجة. أحلامٌ مليئةٌ بوجوهٍ مُشوّهةٍ وأصواتٍ مُخيفةٍ، أحلامٌ تُوحي بأنَّ شيئًا ما يُراقبُنا. آمال، التي كانت دائمًا قويةً، بدأتِ تُعاني من الأرقِ الشديدِ، وعيونُها أصبحت تُشعُّ خوفًا.
في ليلةٍ قمرية، استيقظتُ على صوتِ بكاءٍ مُرعب. كان صوتُ آمال، لكنَّهُ مختلفٌ، مُتقطعٌ، مُملوءٌ بألمٍ لم أرهُ قطُّ في حياتي. هرعتُ إليها، فوجدتُها جالسةً على سريرنا، عيناها مفتوحتانِ على اتساعهما، وتُحدِّقُ في زاويةٍ مظلمةٍ من الغرفة.
"هُناكَ شيءٌ ما..." همستْ بصوتٍ مُتقطعٍ، "هُناكَ شيءٌ ما في الظلام..."
لم أرَ شيئًا. لم يكن هناكَ سوى الظلامُ الذي يلفُّ المنزلَ كَكفنٍ. حاولتُ تهدئتها، لكنَّ الخوفَ كان قد سيطرَ عليها تمامًا.
في الصباح، وجدتُها مُلقاةً على الأرضِ، باردةً كَالجليد. كانت عيناها لا تزالان مفتوحتين، مُحدِّقتين في ذلك الظلامِ المُخيف. لم أجد أيَّ أثرٍ لعنفٍ جسدي، لكنَّ شيئًا ما قد سرقَ روحَها، تاركًا وراءهُ فراغًا أسودَ عميقًا في قلبي وفي هذا المنزل المُلعون.
منذ ذلك اليوم، وأنا أعيشُ وحيدًا في هذا المنزل، أُحاولُ نسيانَ ذلك الظلامِ الذي سكنَ جدرانه، وسرقَ مني كلَّ شيء. لكنَّ الهمسَ لا يزالُ يُطاردُني، وأحلامي لا تزالُ مُليئةً بوجوهٍ مُشوّهةٍ، وعيونِ آمال المُحدِّقةِ في الظلام... وأنا أعلم، في أعماقِ قلبي، أنَّهُ سيعود... سوف يعود.
التعليقات
اضافة تعليق جديد
| الإسم |
|
| البريد ( غير الزامي ) |
|
|
|
|
|
|
| لم يتم العثور على تعليقات بعد |