في قرية نائية تحيط بها الجبال الشاهقة، عاش الناس حياة هادئة، رتيبة. لم يشهدوا في حياتهم شيئاً غريباً أو مثيراً، حتى حلّ ذلك الرجل الغريب. كان طويلاً نحيفاً، يرتدي ملابس سوداء باهتة، وقبعة تحجب وجهه عن أشعة الشمس القاسية. لم يتحدث كثيراً، وقدومه كان صامتاً مثل ظله.
استأجر الرجل الغريب كوخاً مهجوراً على أطراف القرية، كوخاً كان يقال عنه أنه مسكون. لم يره أحد يدخل أو يخرج منه إلا نادراً، وكان يظهر في أوقات غريبة من اليوم، يحدق في السماء بنظرات فارغة، أو يجلس وحيداً على شاطئ النهر، يرسم أشكالاً غريبة على الرمال.
بدأ السكان يتهامسون. بعضهم اعتبره ساحراً، وآخرون قالوا إنه جاسوس، أو حتى قاتل هارب. لكن الرجل الغريب لم يُبدِ أي اهتمامٍ، استمر في حياته الانعزالية، كأنه غير مدركٍ لوجودهم.
في ليلة عاصفة، رأى أحد الأطفال الرجل الغريب يخرج من كوخه حاملاً صندوقاً خشبياً ثقيلاً. كان وجهه مكشوفاً، ولأول مرة رأوا وجهه بوضوح. لم يكن وجه شيطان أو ساحر، بل وجه رجلٍ متعب، يملؤه الحزن. وضع الصندوق بجانب النهر، ثم فتحه.
كان الصندوق مليئاً بالريش الملون، ريش طيور غريبة لم يروها من قبل. بدأ الرجل الغريب يرمي الريش في النهر، واحداً تلو الآخر، مع كل ريشة تنهمر دموعه. ثم أغلق الصندوق وارتدى قبّعته وانصرف.
في الصباح، اختفى الرجل الغريب. لم يعود أحد رأه أبداً. بقي الصندوق الخشبي فارغاً على شاطئ النهر، مذكّراً أهل القرية بذلك الرجل الغريب وبحزنه العميق الذي لم يفهموا أبدًا سببَه. ظلّ سرّ الرجل الغريب ومحتويات الصندوق لغزاً محيرًا يُروى جيلاً بعد جيل.
التعليقات
اضافة تعليق جديد
| الإسم |
|
| البريد ( غير الزامي ) |
|
|
|
|
|
|
| لم يتم العثور على تعليقات بعد |