في قلب الصحراء المترامية الأطراف، حيث تلهب الشمس الرمال وتُصمّ الآذان صمتٌ مُطبق، عاش رجلٌ عجوزٌ يُدعى سالم. كان سالم يُعرف بحكايته المُلهمة، حكاية عن صرخةٍ لم تُسمع، ونداءٍ باهتٍ ضاع في سكون الصحراء. كان الناس يتناقلونها جيلاً بعد جيل، تُروى حول نيران المخيمات ليلاً، وهي حكاية "لقد أسمعت لو ناديت حيًا".
لم يكن سالم شيخًا عاديًا، بل كان يُعرف بحلمه الكبير : بناء مدينةٍ خضراءٍ وسط هذا البحر من الرمال. استجمع قواه طيلة حياته، حاملاً معه بذور الأمل في جعبةٍ قديمة، يحلم بأن ينبت الحياة في هذا المكان القاحل. بدأ بجمع الماء من آبار بعيدة، يُصارع العطش والتعب، ويُحفر الأرض بيديه العجوزتين، يُزرع بذوره بكل إيمانٍ ورجاء.
لكن السنوات مرت، ولم تُثمر بذوره. الصحراء بقيت صامتة، مُقاومةً لكل محاولاته. سقطت أمطار قليلة، سرعان ما اختفت في الرمال، وانحنت شجيرات قليلة تحت وطأة الشمس الحارقة. شعر سالم بالإحباط، ولكنه لم يستسلم. نادى، ونادى، وواصل نداءه، يُناشد الطبيعة، يُناشد السماء، يُناشد أي روحٍ حيةٍ تُساعده على تحقيق حلمه.
"لقد أسمعت لو ناديت حيًا"، هكذا كان يُردد سالم، صوته ينخفض تدريجياً مع مرور الوقت، حتى كاد أن يُصبح همساً يُبتلعُه سكون الصحراء. لم يستجب أحدٌ لنداءه، ولا حتى نسمة ريحٍ خفيفة.
وفي يومٍ حارٍ كغيره، بينما كان سالم جالساً مُنهكاً بين نباتاته الذابلة، سمع صوتاً خفيفاً، همسةً كادت أن تختفي في هواء الصحراء. رفع رأسه، فرأى طائراً صغيرًا، يُغرد بفرحٍ قرب واحة صغيرة بدأت تظهر خلف مزرعته المتواضعة. كانت بضع شجيراتٍ قد نجحت في النمو، مُشكّلةً واحةً صغيرة، مُنبعثةً رائحة الحياة.
في تلك اللحظة، فهم سالم معنى حقيقته "لقد أسمعت لو ناديت حيًا". لم يكن نداءه باطلاً، بل كان بمثابة دعوةٍ من القلب، دعوةٌ استجاب لها الطبيعة بصمتها الخاص. لم تكن الاستجابة صاخبة، ولكنها كانت حقيقية، مُثمرة. كانت واحةً صغيرة، بدايةً لمدينةٍ خضراءٍ في قلب الصحراء. كانت بدايةً لحياةٍ جديدةٍ، بُنيت على الصبر والإيمان والحلم الكبير.
التعليقات
اضافة تعليق جديد
| الإسم |
|
| البريد ( غير الزامي ) |
|
|
|
|
|
|
| لم يتم العثور على تعليقات بعد |